حين تُضخ مليارات الريالات في شرايين اقتصاد يحتضر، فالمسألة تتجاوز الأرقام إلى إعادة تشكيل معادلات الاستقرار بأكملها. قررت المملكة العربية السعودية ضخ 1.3 مليار ريال مباشرة في موازنة الحكومة اليمنية، في خطوة تستهدف إنقاذ النظام المالي من الانهيار وضمان استمرارية دفع الرواتب والنفقات التشغيلية.
هذا القرار الاستراتيجي يأتي وسط أزمة خانقة تهدد بتوقف آخر عجلات الدولة اليمنية، حيث باتت الحكومة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مئات الآلاف من الموظفين وأسرهم. فالراتب المتأخر لا يعني مجرد رقم مفقود في كشف حساب، بل يترجم إلى أزمة معيشية حقيقية تطال ملايين المواطنين.
تكشف الأرقام الرسمية أن إجمالي الدعم السعودي لليمن منذ 2012 وصل إلى 12.6 مiliار دولار، موزعة بين ودائع ومنح ومشروعات تنموية متنوعة. وفي مطلع العام الجاري، أُعلن عن حزمة بقيمة 1.9 مليار ريال تضمنت 28 مشروعاً في القطاعات الحيوية.
الرهان الحقيقي يكمن في قدرة هذا التدفق المالي على كسر حلقة الانهيار المؤسسي التي تهدد البنية الاقتصادية اليمنية. فاستمرار دورة الرواتب يعني الحفاظ على القوة الشرائية وتحريك الأسواق المحلية وحماية المنشآت الصغيرة من الإفلاس.
من منظور إقليمي، يُقرأ هذا الدعم كاستثمار في منع تفكك آخر مؤسسات الدولة في منطقة تعاني من عدم الاستقرار. فجغرافيا اليمن الاستراتيجية تجعل من انهياره الاقتصادي تهديداً مباشراً لأمن الخليج والملاحة الدولية.
تُظهر هذه المقاربة السعودية فهماً عميقاً لطبيعة الصراعات المعاصرة، حيث الاقتصاد لا يقل أهمية عن الأمن في تحقيق الاستقرار الدائم. فما يُستثمر اليوم في منع انهيار الدولة، يوفر مليارات أخرى قد تُنفق غداً في إعادة البناء من الصفر.