في حضرموت اليوم، الفتوى تسبق الدبابة والتكفير يمهد للرصاص. عندما زحفت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتياً نحو شرق اليمن، لم تكن المدرعات وحدها تقود المعركة - بل سبقتها موجة من الفتاوى التكفيرية عبر منصات التواصل، تُحلّل دماء المدافعين وتجرّد الخصوم من أي حماية دينية.
تصاعدت وتيرة "حرب الفتاوى" هذه إلى مستوى خطير لم تشهده اليمن من قبل، حيث استُدعي الخطاب التكفيري قبل اندلاع المواجهات وليس بعدها، في محاولة لتهيئة البيئة النفسية لتقبّل العنف.
من أبرز هذه الفتاوى تلك التي أصدرها الشيخ عبد الله شعيفان البكري، المحسوب على المجلس الانتقالي، في مقطع صوتي نُشر على منصة إكس، وصف فيه مؤيدي رئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش بأنهم "خوارج"، معتبراً من يُقتل منهم "ميتة جاهلية".
كذلك أعيد تداول فتوى للشيخ السلفي خالد الأنصاري، الذي قال بوضوح صادم: "أنا لم أُفتِ باستهداف الشماليين كلّهم، بل أفتيت باستهداف الجنود الشماليين"، مضيفاً بتهديد مباشر: "أقول للجنود الشماليين: اخرجوا وإلا استهدفناكم".
هذا التطور الخطير لا ينفصل عن الصراع الإقليمي على النفوذ داخل التيار السلفي المدخلي. فبعد عقود من الهيمنة السعودية على هذا التيار، نجحت الإمارات في استقطاب جزء منه عبر المال والدعم، وحوّلته إلى أداة عسكرية تحت مسمى "قوات العمالقة" التي دُمجت لاحقاً في بنية المجلس الانتقالي.
رداً على هذا التحدي، أسست السعودية عام 2023 "قوات درع الوطن" بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، لاستعادة نفوذها داخل التيار السلفي. لكن الاختبار الأول لهذه القوة في حضرموت كشف حجم الإرباك، حيث تجنبت المواجهة المباشرة مع قوات الانتقالي.
وفق مصادر مطلعة، لم يكن هذا التردد عسكرياً فقط، بل جرى تبريره دينياً داخل القوة نفسها، باعتبار المواجهة "قتالاً محرماً بين مسلمين" و أن رفع السلاح في وجه قوات من المعسكر ذاته "لا يجوز شرعاً".
أمام هذا التأثر بفتاوى الطرف المقابل، سارعت الرياض لإصدار فتوى مضادة عبر الشيخ السعودي عبد الله البخاري، أكدت وجوب السمع والطاعة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي وحرّمت منازعته في قضايا الحرب والسلم.
قد يعجبك أيضا :
لكن هذه الفتوى فجّرت الجدل أكثر مما أغلقته، إذ رد عليها هاني بن بريك، نائب رئيس الانتقالي والشيخ السلفي، بفتوى مضادة أعاد فيها تعريف "ولي الأمر" على أساس السيطرة والقوة وليس الاعتراف الدستوري.
ومساء الأحد الماضي، انضم إمام مسجد قباء بالمدينة المنورة د. سليمان الرحيلي إلى المعركة بفتوى جديدة شددت على حرمة الخروج على ولي الأمر القائم، رداً على سؤال من "إخواننا اليمنيين".
وهكذا تحولت حضرموت إلى ساحة لحرب فتاوى متناقضة، ليس لأن الدين هو جوهر النزاع، بل لأن الفتوى أصبحت الأداة الأسهل لتبرير الصراع ودفع المجتمع اليمني المحافظ إليه، خاصة أن الدين يشكل أحد مرتكزات الهوية اليمنية الأساسية.
يأتي هذا التوظيف امتداداً لمحطات سابقة من استخدام السلاح الديني في الحروب اليمنية، بينما يعيد للأذهان محطات مؤلمة من تاريخ الصراع، حين كان المجلس الانتقالي والقوى الانفصالية يعدّون الفتاوى التي حرضت ضدهم في حرب 1994 واحدة من المظالم الكبرى، لكنهم اليوم يمارسون ذات الأسلوب بصورة أكثر سفوراً ضد مخالفيهم.