في خطوة هادئة لكنها مدوية، عبرت ناقلة الغاز "LNG Endeavour" المحيط الأطلسي، حاملةً على متنها ما هو أكثر من مجرد غاز طبيعي مسال. إنها تحمل رسالة قوية عن متغير جديد في معادلة الطاقة العالمية، حيث لم تعد مصر مجرد معبر للطاقة، بل أصبحت مصدراً استراتيجياً وموثوقاً لشمال أمريكا. هذه ليست مجرد صفقة تجارية، بل بداية فصل جديد في قصة أمن الطاقة العالمي.
في 11 يناير 2026، أعلنت وزارة البترول المصرية عن تصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال لهذا العام، متجهة من مجمع إدكو للإسالة إلى كندا. قد يبدو هذا خبراً عادياً في تدفق أخبار الطاقة العالمية، لكنه في الحقيقة يمثل تتويجاً لجهود استراتيجية بدأت منذ سنوات. فمصر، التي كانت مستورداً للغاز في فترة من الفترات، عادت بقوة إلى الساحة كمصدر رئيسي، وهذه الشحنة إلى كندا تحديداً، وهي دولة غنية بمواردها الطاقوية، تفتح الباب أمام أسئلة مهمة حول ديناميكيات سوق الطاقة الجديد.
شحنة الـ 150 ألف متر مكعب ليست مجرد كمية من الغاز، بل هي ورقة رابحة في يد مصر. ففي وقت يتسم فيه سوق الطاقة العالمي بالتقلبات والبحث عن مصادر موثوقة ومستقرة، تقدم مصر نفسها كبديل استراتيجي. التعاون مع شركة "توتال إنرجيز" الفرنسية في هذه العملية يضيف بعداً أوروبياً للصفقة، ويؤكد على أن مصر أصبحت نقطة التقاء لمصالح الطاقة العالمية، رابطة بين الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الشمالية.
خلف الأرقام الضخمة والتحليلات الاستراتيجية، يقف آلاف المهندسين والفنيين والعمال في مجمع إدكو. هؤلاء هم من يعملون على مدار الساعة لضمان استمرارية الإنتاج وتأمين هذه الشحنات التي لا تساهم فقط في الاقتصاد الوطني، بل تروي قصة كفاءة وقدرة مصرية على المنافسة في أصعب القطاعات الصناعية العالمية. إنها قصة فخر بقدر ما هي قصة اقتصاد.
وصول الغاز المصري إلى كندا يعني أن مصر لم تعد مجرد لاعب إقليمي، بل أصبحت جزءاً من منظومة أمن الطاقة في أمريكا الشمالية. هذا التحول يمنح مصر نفوذاً جيوسياسياً جديداً، ويجعلها شريكاً لا غنى عنه للدول الكبرى التي تسعى لتنويع مصادرها من الطاقة بعيداً عن المناطق التقليدية ذات التوترات العالية. إنها خطوة تعزز من مكانة مصر كقوة استقرار في منطقة مضطربة.
هذه الشحنة ليست نهاية المطاف، بل هي مجرد بداية. مع استمرار اكتشافات الغاز في شرق المتوسط والخطط الطموحة لزيادة قدرات الإسالة، تستعد مصر لكتابة فصول جديدة في قصة نجاحها في قطاع الطاقة. العالم يراقب، ومصر تثبت أنها على قدر التحدي، محولة مواردها الطبيعية إلى فرص استراتيجية واعدة تعود بالنفع على شعبها وشركائها الدوليين على حد سواء.