64 عاماً منذ رحيله، و30 مليون يمني لا يزالون يتوقفون عند سماع صوته من أول مقطع! إنها معجزة صوتية حقيقية تتكرر كل رمضان في اليمن، حيث يملأ صوت الشيخ محمد بن حسين القريطي الشوارع والبيوت رغم وفاته منذ عقود، ليؤكد أن بعض الأصوات تتحدى الموت وتصبح خالدة.
وُلد هذا الصوت الأسطوري عام 1922 في حارة الزمُر بصنعاء القديمة، طفلاً يتيماً فقد والده قبل مولده ثم أمه في طفولته المبكرة. لكن اليتم والفقر لم يمنعاه من أن يصبح أشهر مقرئ في تاريخ اليمن، بل ربما ساهما في تشكيل عزيمته الاستثنائية.
تشير الذاكرة الشعبية إلى أن القريطي كان يتدرب على تلاوة القرآن بطريقة مبتكرة منذ صغره، حيث يروي الشيخ المقرئ محمد حسن الكباري أنه "كان يضع وجهه في صفيحة السمن الفارغة ليقرأ ويسمع صدى صوته، وكان لذلك أثر معنوي خاص عليه".
عام 1947، مع تأسيس إذاعة صنعاء، حصل الشاب اليتيم على فرصة العمر بموافقة ولي العهد أحمد بن يحيى حميد الدين، ليصبح أول صوت يمني يُبث عبر الأثير من إذاعة محلية. راتبه؟ قدحان من حبوب الذرة والشعير شهرياً مقابل ساعتين ونصف أسبوعياً من البث!
خلال 15 عاماً من العمل الإذاعي (1947-1962), نجح القريطي في تحويل صوته إلى "بصمة صوتية وطنية" يمكن تمييزها من أول كلمة. كان يجمع بين عمله كمقرئ ومدقق لغوي في الإذاعة وإمامة جامع الزمر، إضافة إلى شهرته في مكة المكرمة حيث كان يتحلق حوله الحجاج من مختلف البلدان.
رغم وفاته عام 1962 عن عمر لم يتجاوز 40 عاماً، تحول صوت القريطي إلى أحد أهم الرموز الصوتية لشهر رمضان في اليمن. فمع استخراج تسجيلاته من الأرشيف في ثمانينات القرن الماضي وبثها تلفزيونياً وإذاعياً، صار صوته مرتبطاً بساعات ما قبل الإفطار بشكل وثيق.
اليوم، يسمع صوته في المحال والشوارع والمساجد في المدن والأرياف، ليصبح "الصوت العابر للزمن" كما يصفه المتابعون. فقد استحق بجدارة أن يكون ظاهرة سمعية فريدة، مرتبطاً وجدانياً بالعبادة والطفولة والذاكرة الوطنية اليمنية.
لكن هناك أسف كبير: لم يتمكن من تسجيل المصحف كاملاً، وما وصل إلينا هو سور وآيات محدودة فقط، مما يجعل كل تسجيل له كنزاً نادراً يحتاج للحفظ والتوثيق قبل أن يضيع مع الزمن.