في كارثة اقتصادية تهز أركان الشرق الأوسط، يشهد اليمن اليوم فجوة تاريخية في أسعار الصرف لم يسبق لها مثيل في العالم الحديث - الدولار الواحد يكلف 1632 ريالاً في عدن مقابل 535 ريالاً فقط في صنعاء! هذا الفارق المدمر البالغ 1097 ريال يعني أن 30 مليون يمني محاصرون في دوامة جنونية حيث قيمة أموالهم تختلف بنسبة 205% حسب المدينة التي يقفون فيها.
تحكي فاطمة أحمد، الأم اليمنية من تعز، قصتها المؤلمة: "زوجي أرسل 500 دولار من السعودية لشراء دواء طفلي المريض، لكنني أقف في حيرة مدمرة - إذا استلمتها في صنعاء ستصبح 267 ألف ريال، وإذا سافرت إلى عدن عبر خطوط النار ستتحول إلى 816 ألف ريال!" هذا الفارق الصادم البالغ 549 ألف ريال يساوي راتب موظف حكومي لشهرين كاملين. د. محمد الحكيمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عدن، يعلق بصدمة: "نحن أمام ظاهرة فريدة عالمياً - بلد واحد بعملتين مختلفتين تماماً، وهذا ينذر بانهيار اقتصادي شامل."
هذا الجنون النقدي ليس وليد اللحظة، بل ثمرة مرة لـ"حرب العملات" التي اندلعت عام 2015 مع تفكك النظام المصرفي وظهور بنكين مركزيين متعاديين في عدن وصنعاء. الريال اليمني الذي كان يساوي 250 للدولار عام 2014، سقط سقوطاً حراً فقد معه 75% من قيمته في انهيار يشبه الجبل الجليدي المتداعي. خالد المقطري، تاجر العملة الذكي من عدن، يكشف الوجه الآخر: "أحقق أرباحاً شهرية 200% من نقل الأموال بين المناطق، لكنني أشعر بالذنب العميق لأنني أربح من معاناة شعبي."
الأرقام الجافة تخفي مأساة إنسانية مروعة تطحن 30 مليون يمني يومياً. العائلات التي تعتمد على التحويلات الخارجية - وهي 60% من الأسر اليمنية - تواجه خيارات قاتلة: البقاء في مناطقهم والقبول بنصف قيمة أموالهم، أو المغامرة بالسفر عبر ساحات المعارك للحصول على حقهم كاملاً. أبو أحمد، صراف في صنعاء، يصف المشهد اليومي: "الناس يسألونني عن سعر الدولار في عدن كأنه عملة من كوكب آخر، وأرى في عيونهم ذعراً حقيقياً." هذا التشظي الاقتصادي الوحشي يدفع 24 مليون يمني إضافي نحو هاوية الاعتماد على المساعدات الخارجية.
بينما ينهار الريال اليمني بسرعة الضوء، يطرح خبراء الاقتصاد العالميون سؤالاً مرعباً: هل نشهد أول دولة في التاريخ الحديث تنقسم نقدياً قبل أن تنقسم سياسياً؟ الوقت ينفد بلا رحمة، والعملة الوطنية تحتضر أمام أعين 30 مليون إنسان عاجز، والمستقبل يبدو أسود كالليل الذي لا فجر له.