في تطور اقتصادي صادم يكشف عمق المأساة اليمنية، وصل الفارق في أسعار صرف الدولار بين صنعاء وعدن إلى 1086 ريال للدولار الواحد، في مشهد يعكس انقساماً اقتصادياً مدمراً لم تشهده المنطقة من قبل. هذا يعني أن المواطن في عدن يحتاج ثلاثة أضعاف المال لشراء نفس السلعة التي يحصل عليها نظيره في صنعاء، في كارثة حقيقية تهدد بانهيار كامل للاقتصاد اليمني. كل دقيقة تمر تعني المزيد من تبخر القوة الشرائية، والوقت ينفد أمام ملايين اليمنيين لإنقاذ مدخراتهم.
تكشف الأرقام الرسمية لمحولات الكريمي والنجم حجم الكارثة: بينما يُباع الدولار في صنعاء بـ 536 ريال، يصل سعره في عدن إلى 1629 ريال - فارق يعادل نسبة 300% من القيمة الأساسية. أحمد المنصوري، موظف حكومي في عدن براتب 100 ألف ريال شهرياً، يروي مأساته: "راتبي أصبح يساوي 61 دولار فقط.. لا أستطيع حتى شراء احتياجات أطفالي الأساسية". المشهد في أسواق الصرافة مؤلم: طوابير طويلة من المواطنين بوجوه يائسة، وصراخ التجار الذين لم يعودوا قادرين على تحديد أسعار ثابتة لأكثر من ساعات قليلة.
جذور هذه الكارثة تمتد إلى الانقسام السياسي المدمر الذي شطر اليمن إلى كيانين اقتصاديين منفصلين تماماً. د. محمد الحكيمي، الخبير الاقتصادي اليمني، يحذر: "نشهد تكرار سيناريو انهيار العملة في لبنان وفنزويلا، لكن بوتيرة أسرع وتدمير أعمق". السياسات النقدية المتضاربة بين البنك المركزي في صنعاء ونظيره في عدن، إضافة للحصار الاقتصادي وانقطاع الخدمات المصرفية، حولت البلاد إلى سوقين منفصلين بعملة واحدة محتضرة. المقارنة التاريخية مرعبة: حتى في أسوأ فترات الحرب الأهلية اللبنانية، لم يصل الفارق في أسعار الصرف بين المناطق لهذا المستوى المدمر.
تأثير هذا الانهيار على الحياة اليومية للمواطنين كارثي بكل المقاييس. فاطمة أحمد، ربة بيت في عدن، تبكي وهي تحكي: "أصبحت أختار بين شراء الأدوية لوالدي المريض أو طعام أطفالي". الطلاب الجامعيون لا يستطيعون دفع رسومهم، والعمال المغتربون يرفضون تحويل أموالهم خوفاً من خسارة نصف قيمتها قبل وصولها. السيناريو الأسوأ قادم: توقع الخبراء انهياراً أكبر خلال الأسابيع القادمة، مع احتمالية وصول سعر الدولار في عدن إلى 2000 ريال، مما يعني مجاعة حقيقية لملايين اليمنيين. الفرصة الوحيدة للنجاة تكمن في تحويل المدخرات فوراً إلى الذهب أو العملات الأجنبية، لكن حتى هذا الخيار أصبح صعب المنال لمعظم الأسر.
أمام هذا المشهد المأساوي، يقف اليمن على حافة انهيار اقتصادي كامل قد يؤدي إلى تقسيم دائم للبلاد. الوقت ينفد بسرعة البرق، والحلول تتقلص مع كل ساعة تمر. المطلوب تدخل دولي عاجل وتوحيد فوري للسياسة النقدية، وإلا فإن الشعب اليمني مقبل على كارثة إنسانية لا تُحتمل. هل سيشهد اليمن يوماً عملة موحدة مستقرة مرة أخرى، أم أن الانقسام الاقتصادي سيصبح واقعاً دائماً يحكم على أجيال كاملة بالفقر والمعاناة؟