الكويت - رحلة بدأت بصدمة وإنكار، وانتهت بتأسيس مركز متخصص ورفع صوت مجتمعي. أكثر من 4 مدارس رفضت قبول طفلها، ياسين، بعد تشخيصه بالتوحد، فاضطرت الأم، ياسمين عيسى القلاف، إلى تطبيق التعليم المنزلي طوال 4 أعوام كاملة في واحدة من أصعب وأعز المحطات بحياتها. اليوم، وبعد 17 عاماً من ذلك التشخيص المزلزل، تحولت ياسمين من أم غارقة في الحيرة إلى اختصاصية توحد معتمدة وصاحبة شركة لاستشارات ذوي الاحتياجات الخاصة، لتكشف لـ"سيدتي" عن تفاصيل رحلتها الملهمة في اليوم العالمي للتوحد.
تقول ياسمين عن الأيام الأولى: "لم أكن أعرف معلومات وافرة عن التوحد في بادئ الأمر، كما لم أتوقع يوماً أن يكون جزءاً من حياتي". لكن تشخيص ابنها ياسين، البالغ الآن 17 عاماً، أصابها بصدمة قوية وأنكرت الحالة بشدة، قبل أن تبدأ مرحلة التقبل. وتوضح أن الصعوبة الكبرى لم تكن في الطفل نفسه، بل في تفسير سلوكه، حيث كان الاختلاف في الرأى بينها وبين زوجها حول ما إذا كان السلوك "عناداً" أم "احتياجاً"، بالإضافة إلى القلق على مستقبله ونظرة المجتمع.
واجهت الأسرة عائقاً تعليمياً كبيراً تمثل في رفض عدة مدارس لياسين، لأسباب تراوحت بين صعوبة التعامل مع سلوكه وبين معدل ذكائه الجيد الذي جعله خارج إطار المراكز الخاصة. تصف ياسمين بحثها عن مدرسة بأنه كان يشبه "الغوص للعثور على لؤلؤة". الحل الذي اختارته كان التعليم المنزلي، وهو الإنجاز الذي تفتخر به، قبل أن يلتحق ياسين أخيراً بمدرسة في عمر الثمانية ويدخل فصول الدمج.
"اليوم ياسين يقرأ ويكتب ليس لأنني أم خارقة، بل ببساطة أنا آمنت فيه وبقدرته أن يطور مهاراته ويحقق أهدافه"، تضيف الأم المختصة. وتشيد ياسمين بدور أخت ياسين التي كانت داعمة له دون يأس، محاولة اللعب معه رغم عدم استجابته في معظم الأوقات، مؤكدة على أهمية عدم الضغط على الأخوة بل دعم رغبتهم في التقارب.
تقدم ياسمين، من واقع خبرتها، نصائح عملية للتعامل مع نوبات الغضب، موضحة أن سلوكيات الأطفال التوحديين هي "رسالة" يجب فك شفرتها. وتنصح الأهل بمحاولة فهم السبب، وتهدئة البيئة المحيطة (الإضاءة، الصوت)، واستخدام ما يُعرف بـ co-regulation، أي أن يهدأ الوالدان أولاً، مع منح الطفل مساحة والبقاء بجانبه.
وعن تنمية مهارات ياسين، استغلت ياسمين اهتماماته الخاصة بـالتكنولوجيا والأرقام والأحرف، فخلقت منها جسراً من عالمنا إلى عالمه لتطوير التفاعل والتواصل. وتؤكد أن كل مرحلة عمرية تحمل تحدياً مختلفاً، لكن المرحلة الأصعب كانت البداية، حيث تخللتها "صدمة وإنكار وضياع ومحاولة إصلاح".
تختتم ياسمين رسالتها بمطالبة مجتمعية قوية، قائلة: "رسالتي في الحياة هي التقبل؛ لا أعني تقبل الأم لابنها فحسب بل على جميع الأصعدة أي دمج التوحدي بالمجتمع، وتوفير فرص تعليمية منوعة له، وفرص وظيفية لضمان حياة كريمة".
وتحذر من العبارات غير المحترمة التي قد تبدو بريئة لكنها تضر، مثل: "شكلك ليس توحدي" أو "أتمنى لك الشفاء"، داعية إلى احترام الهوية التوحدية وتقدير مجتمع كامل موجود في العالم.