خلال 8 سنوات فقط، سيتغير مستقبل ملايين الموظفين المصريين بشكل جذري. قرار مفاجئ وصادم للحكومة المصرية برفع سن التقاعد تدريجياً ليصل إلى 65 عاماً بحلول عام 2040، أثار موجة واسعة من الجدل والتساؤلات حول تداعياته على مختلف فئات المجتمع، خصوصاً الشباب والموظفين الذين كانوا على وشك تحقيق حلم التقاعد.
يأتي هذا القرار ضمن قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الجديد رقم 148 لسنة 2019، والذي يهدف بحسب التصريحات الرسمية إلى توحيد سن المعاش لمختلف الفئات ومعالجة العجز المالي في نظام المعاشات. الخطة الزمنية للتطبيق تبدو بعيدة، لكنها في الواقع أقرب مما نتصور؛ فبداية من يوليو 2032، سيتم رفع سن التقاعد إلى 61 عاماً، ثم يزداد بواقع سنة كل عامين، ليصل إلى 62 عاماً في 2034، و63 عاماً في 2036، و64 عاماً في 2038، وأخيراً يستقر عند 65 عاماً في الأول من يوليو 2040. هذا يعني أن مواليد عام 1972 وما بعده هم أول من سيقع تحت طائلة هذا التعديل، ليجدوا أنفسهم مجبرين على العمل لسنوات إضافية لم تكن في الحسبان.
لكن، من هم الخاسرون الحقيقيون من هذا القرار؟ على رأس القائمة، وبلا منازع، يأتي الشباب المصري. في سوق عمل يعاني أصلاً من شح الفرص وارتفاع معدلات البطالة، يأتي هذا القرار ليزيد الطين بلة. بقاء الموظفين الأكبر سناً في وظائفهم لخمس سنوات إضافية يعني تجميد آلاف الفرص التي كانت ستتاح للخريجين الجدد والباحثين عن عمل. بدلاً من ضخ دماء جديدة في شرايين الجهاز الإداري للدولة والقطاع الخاص، سيستمر التكدس الوظيفي، مما يرفع سن الدخول الفعلي إلى سوق العمل ويؤخر مسارهم المهني بالكامل. الخسارة هنا ليست مجرد وظيفة، بل هي خسارة لأحلام وطموحات جيل بأكمله.
الفئة الثانية من الخاسرين هم الموظفون الحاليون الذين أفنوا عمرهم في الخدمة، وكانوا يخططون لحياتهم بناءً على سن التقاعد عند 60 عاماً. هؤلاء، وخصوصاً من قاربوا على سن الستين، وجدوا أنفسهم في مواجهة حقيقة مرة: عليهم الاستمرار في العمل لسنوات إضافية، في وقت كانوا يمنون النفس فيه بالراحة والاستمتاع بثمرة جهدهم. الأمر لا يقتصر على الجانب المادي، بل يمتد إلى الجانب النفسي والجسدي، حيث تتراجع القدرة على العطاء والإنتاجية مع التقدم في العمر، مما قد يحول السنوات الإضافية إلى عبء ثقيل.
أما القطاع الخاص، فيبدو أنه الخاسر الصامت. ففي حين قد يبدو بقاء الموظفين ذوي الخبرة أمراً إيجابياً، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً. الكثير من الشركات قد تجد نفسها مثقلة بتكاليف أجور الموظفين الأكبر سناً، وتفضل الاستثمار في الشباب ذوي الأجور الأقل والأفكار المتجددة. هذا قد يدفع بعض الشركات إلى التحايل على القانون أو البحث عن طرق لإنهاء خدمة الموظفين قبل بلوغهم سن التقاعد الجديد، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار الوظيفي لهذه الفئة.
لقد تم اتخاذ القرار بالفعل، وأصبح قانوناً نافذاً ينتظر التطبيق. لكن النقاش المجتمعي حوله لم ولن ينتهي. فهل كانت هناك بدائل أخرى لمعالجة أزمة المعاشات بدلاً من تحميل العبء الأكبر على الشباب والموظفين؟ وكيف يمكن للدولة أن تضع آليات واضحة لتعويض الشباب عن الفرص الضائعة وتضمن لهم مستقبلاً وظيفياً آمناً في ظل هذا الواقع الجديد؟