بعد عامٍ على تولّيها، كشفت وزارة الاتصالات اللبنانية وثيقةً تفتقر إلى أي إجراءات تشريعية محددة، أو قرارات تنفيذية ملزمة، أو حتى جدول زمني واضح لتحقيق أهدافها الطموحة الممتدة حتى 2030. هذه هي الحقيقة التي تكشفها المسودة المعنونة بـ«السياسة الوطنية للاتصالات والبنية التحتية الرقمية 2026–2030»، والتي طرحت كـ"إطار إصلاحي شامل" لكنها تتحرك -حسب التحليل- في مستوى الرؤية النظرية فقط.
الوثيقة، التي أطلقت في إطار استشارة عامة، تقدم تشخيصاً لأزمة القطاع وتطمح لتحويل لبنان إلى مركز رقمي إقليمي. ومع ذلك، يبرز سؤال مركزي: هل هي برنامج إصلاح حكومي قابل للتنفيذ، أم مجرد رؤية سياساتية عامة تحدّد الاتجاه دون أن تلزم السلطة التنفيذية؟
يقوم التحليل على أن الإشكالية لا تكمن في طموح الأهداف أو جودة اللغة –التي تتحدث عن حوكمة ومنافسة وحياد تكنولوجي– بل في غياب "الجسر التنفيذي". فالانتقال من توصيف المشكلة إلى النتيجة المرجوة لا يُرافقه تحديد للأدوات، إذ لا تظهر تقديرات مالية أو مسار واضح للتحديث.
فصل أدوار نظري: تؤكد الوثيقة النموذج المؤسسي السليم (الوزارة تضع السياسات، الهيئة الناظمة تنظّم، المشغّلون يعملون تجارياً). لكن هذا الفصل يبقى نظرياً في ظل غياب شروط الاستقلال الفعلي للهيئة الناظمة، والتي تستمر تمويلاتها عبر سلف من الوزارة، ما يحد من استقلاليتها. كما تفتقد الوثيقة توضيح كيفية التوفيق بين الإطار القانوني القديم (القانون 431/2002 الذي يعود لأكثر من عقدين) والواقع التشغيلي الحالي، حيث تدير الدولة الجزء الأكبر من الخدمات مباشرة عبر الوزارة وأوجيرو.
إصلاح تدريجي أم تأجيل للقرارات؟ تعتمد الوثيقة مفهوم "الإصلاح التدريجي"، لكنها تدمج –دون تمييز– بين مسارات الإصلاح المؤسسي والتنظيمي والاستثماري. في الممارسات الدولية، يأتي إشراك القطاع الخاص بعد استقرار الحوكمة. طرح هذه المسارات بالتوازي قد ينطوي على مخاطر تثبيت ترتيبات تشغيلية قبل استقرار الإطار التنظيمي.
مقاربة ضبابية للمخالفات: في ملف الأنشطة غير النظامية، تتبنى الوثيقة مقاربة انتقالية عامة من دون تحديد مهَل زمنية نهائية للامتثال أو أدوات إنفاذ واضحة، مما قد يحوّل المرحلة الانتقالية إلى آلية لإدارة الواقع القائم بدلاً من تصحيحه.
من خلال مجمل عناصرها، تبدو الوثيقة أقرب إلى إطار سياساتي توجيهي يحدد الاتجاه العام، وليس برنامج إصلاح حكومي يتضمن جداول زمنية ملزمة وتوزيعاً واضحاً للمسؤوليات وآليات مساءلة. المشكلة لا تكمن في الطموح، بل في موقعها المؤسسي: فهي تقدم نموذجاً معيارياً مرغوباً لكنها لا تحسم القرارات الكبرى ولا تبني إطاراً تنفيذياً قابلاً للمساءلة.
الخلاصة التي يقدمها التحليل صارمة: الفارق كبير بين خطاب الإصلاح وقرار الإصلاح. ما يحتاجه قطاع الاتصالات في لبنان اليوم، في ظل اختلالاته البنيوية العميقة، ليس رؤية إضافية، بل برنامجاً تنفيذياً واضحاً يربط المبادئ بالقرارات، ويحدد المسؤوليات والمهل. الإصلاح لا يقاس بعدد الوثائق، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارات واضحة وتنفيذها.