بتوجه استراتيجي تاريخي، تقود المملكة العربية السعودية نقلة تحولية في مفهوم القوة الاقتصادية، من الاعتماد على تصدير النفط إلى هندسة مسارات التجارة العالمية نفسها. وذلك عبر مشروع عملاق يعيد رسم الخرائط اللوجستية، ويضع الحلول لمشكلات مزمنة في المنطقة، ويوفر بديلاً آمناً لسلاسل الإمداد العالمية الهشة.
جوهر هذا التحول يكمن في أرقام ملموسة تترجم الطموح إلى واقع. يعد المشروع بتوفير ما يصل إلى 40% من التكاليف اللوجستية الكلية للشحن، وهي نسبة هائلة تعيد حساب جدوى المسارات التقليدية وتشكل حافزاً قوياً لجذب التدفقات التجارية العالمية.
لا تقتصر المكاسب على التوفير المالي فحسب، بل تمتد إلى عامل الوقت الحيوي. يتوقع المشروع تقليص زمن الرحلة بنسبة 60%، من نحو عشرة أيام إلى أيام معدودة فقط، مما يعيد تعريف معايير الكفاءة في نقل البضائع بين الخليج العربي والبحر المتوسط.
يأتي هذا الحل في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الممرات البحرية الدولية ضغوطاً وتوترات جيوسياسية متصاعدة، ما يهدد سلاسل التوريد ويعطي أولوية قصوى لإيجاد مسارات بديلة مستقلة وآمنة.
ويمثل الأردن شريكاً استراتيجياً أساسياً في هذه المعادلة، حيث يقدم الإطار السيادي والتشريعي المستقر الذي تحتاجه استثمارات بهذا الحجم، لضمان حمايتها وتعامل المشروع كمرفق إقليمي سيادي.
سيمنح المشروع الأردن فرصة تاريخية للتحول إلى مركز لوجستي إقليمي رائد، مع آفاق واسعة لخلق عشرات الآلاف من فرص العمل ووضع حد لأزمة المياه المزمنة عبر محطات التحلية المتكاملة.
أما على الصعيد الإقليمي الأوسع، فيهدف المشروع إلى تنشيط اقتصادات دول شرق المتوسط، وتحويل مناطق الأزمات إلى نقاط جذب استثماري، وتعزيز شبكة تكاملية مع الممرات المائية القائمة مثل قناة السويس لتعزيز المرونة اللوجستية الجماعية.
الأبعاد لا تقتصر على التجارة، فالمشروع يتضمن حلاً بيئياً واستراتيجياً عبر محطات تحلية تعمل بالطاقة النظيفة، قادرة على توفير مليارات الأمتار المكعبة من المياه سنوياً، مما يدعم ملايين السكان ويحول مساحات صحراوية شاسعة إلى فضاءات زراعية وسكنية منتجة.
بهذه الرؤية الشاملة، تنتقل المملكة من دور لاعب في السوق العالمي إلى دور مهندس لهندسة المسارات التي تحرك ثرواته، مصنعةً بذلك 'العرق الذهبي' الجديد: التحكم في تدفقات التجارة العالمية وتكاليفها.