في عام 1997، اتخذ د. أحمد كمال الدين قراراً نادراً في تاريخ السياسة السودانية: استقال من كافة ارتباطاته الحكومية والصحفية، رافضاً المساومة على مبادئه، ليصبح صوتاً مستقلاً يبحث عن السلام بعيداً عن الاصطفافات الحزبية. وبرحيله أمس، خسر السودان آخر أصواته العاقلة في أحلك ظروف حربه الراهنة.
انطلق الراحل في رحلته مع السلام منذ عقود، حيث شارك ضمن وفود مباحثات السلام طوال ثماني سنوات متتالية بدءاً من انقلاب 1989، قبل أن يختار الانسحاب التام من العمل الحكومي عام 1997، في موقف مبدئي نادر صاغ رؤيته المستقبلية حول أولوية التوافق الوطني.
وقد تجسدت حكمته في مبادرتين تاريخيتين: الأولى كانت اقتراحه لتشكيل هيئة حكماء السودان بعضوية 82 شخصية من مختلف الأطياف عام 2019، والثانية مبادرة التراضي الوطني الشامل عقب اندلاع حرب 2023، والتي تميزت بمنهجية فريدة تقوم على تحديد معوقات السلام قبل البحث في الحلول.
امتد تأثير د. كمال الدين إلى الساحة الفكرية عبر مشاركته النشطة في النقاشات الرقمية، خاصة في قروب وادي النيل، حيث قاد حوارات مسؤولة حول قضايا خلافية مثل قوانين الشريعة مطلع 2020، مثبتاً قدرته على إدارة الخلاف بعيداً عن الإقصاء.
- شارك في مباحثات السلام لمدة 8 سنوات متواصلة
- اقترح 82 اسماً لعضوية هيئة حكماء السودان
- ترجم بنفسه أول مقال حول حرب أبريل المنشور في 4 يونيو 2023
- أطلق مبادرة التراضي الوطني الشامل أثناء الحرب الراهنة
وحتى اللحظات الأخيرة، واصل الراحل جهوده لإيصال الرؤى السودانية للعالم، حيث حرص شخصياً على ترجمة مقالات تحليلية مهمة إلى الإنجليزية، إيماناً منه بضرورة إسماع الصوت السوداني خارج الحدود.
برحيله، يفقد السودان في أحرج مراحله التاريخية صوتاً نادراً جمع بين الخبرة القانونية العميقة والحكمة السياسية، في وقت تشتد فيه الحاجة لأمثاله من دعاة التوافق والسلام.