قبل 4800 سنة بالضبط - عندما كانت أهرامات الجيزة لا تزال قيد البناء - تنفس آخر هواء فهد في كهوف شمال السعودية، ليحتفظ المكان بجثمانه محنطاً طبيعياً حاملاً معه المفتاح الوراثي لإعادة إحياء نوعه في الجزيرة العربية.
تمكن باحثو المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية من توثيق 7 فهود محفوظة بشكل مثالي داخل كهوف المملكة، بالإضافة إلى 54 بقايا هيكلية أخرى، في إنجاز علمي نشرته مجلة Nature: Communications Earth & Environment المرموقة عالمياً.
امتدت عمليات الاستكشاف الميدانية عبر 134 كهفاً في المناطق الشمالية، واستعان الفريق البحثي بتقنيات متطورة شملت التأريخ بالكربون المشع والتحليل الجيني الشامل والتصوير الإشعاعي لكشف أسرار هذه المومياوات الطبيعية.
كشفت النتائج المذهلة أن هذه الفهود عاشت عبر فترات زمنية متباعدة، حيث يعود أحدثها إلى 127 سنة مضت فقط - مما يؤكد بقاء الفهد في البيئة العربية حتى نهاية القرن التاسع عشر تقريباً.
- الكنز الوراثي: ربطت التحاليل الجينية هذه الفهود بسلالتين حيويتين هما الفهد الآسيوي والفهد الأفريقي الشمالي الغربي
- المرجعية العلمية: توفر البيانات الوراثية دليلاً دقيقاً لاختيار أنسب السلالات لمشاريع الإعادة المستقبلية
- الحفظ المعجز: أدت الظروف البيئية الاستثنائية في الكهوف إلى تحويلها لمستودعات طبيعية للتنوع الأحيائي
وفق ما أوضحه محمد علي قربان، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، فإن "نشر هذه الورقة العلمية في إحدى مجلات Nature يعكس مستوى النضج العلمي الذي وصلت إليه برامج البحث في المركز"، مشدداً على أهمية توظيف الأدلة الجينية والتاريخية في دعم قرارات إعادة توطين الكائنات المهددة.
تمثل هذه النتائج نقطة تحول نوعية في مساعي المملكة لاستعادة التوازن البيئي، خاصة مع النجاحات المحققة في إعادة توطين فرائس الفهد الطبيعية كالظباء والمها العربي، مما يمهد الطريق علمياً أمام عودة محتملة للمفترسات العليا إلى مواطنها الأصلية.