بعمر يتجاوز 142 عاماً و134 فرداً من النسل، أسدل الستار على حياة استثنائية عاصرت ولادة المملكة ونموها عبر سبعة عقود ملكية. الشيخ ناصر بن ردان آل رشيد الوادعي، الذي فارق الحياة في الساعات الماضية، لم يكن مجرد معمّر عادي بل مكتبة تاريخية حية شهدت تحول الصحراء إلى حضارة.
منذ ولادته عام 1905 في محافظة طهران الجنوب، سجّل الراحل حضوراً نادراً في أربعين موسماً للحج، بينما شهدت عيناه انتقال الحكم من الملك المؤسس عبدالعزيز وصولاً إلى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز. وفق شهادة نجله خالد أبو منصور الوادعي لقناة العربية، فإن الوالد المتوفى جالس جميع الملوك شخصياً من عبدالعزيز حتى عبدالله بن عبدالعزيز.
رحلة الفقيد مع القصور الملكية تضمنت لقاءً مميزاً بالملك عبدالعزيز في الرياض، حيث أهداه 100 ألف ريال تقديراً لشخصيته. كما كشف ابنه أن الراحل كان محباً للدعوة إلى الله رغم أميّته، وأن آخر أحلامه كان مقابلة الملك سلمان، مما يعكس عمق ارتباطه الوطني حتى اللحظات الأخيرة.
التركيبة العائلية للشيخ الراحل تحكي قصة أخرى مذهلة: ثلاث زوجات عبر قرن ونصف، آخرهن تزوجها عندما بلغ 110 أعواماً وعاشت معه ثلاثة عقود كاملة. هذا الزواج المتأخر أثمر عن ابنة لا تزال على قيد الحياة، بينما يضم إجمالي نسله 134 شخصاً بين أطفال وأحفاد، منهم ستة بنات توفيت أكبرهن عن 90 عاماً.
سر العمر المديد يكمن في نظام غذائي تقليدي اعتمده طوال حياته: الذرة والشعير واللبن والزبيب والسمن والعسل. هذا النمط الصحي صاحبه ذاكرة فولاذية حفظت تفاصيل عقود من التطور والتغيير، مما جعله مرجعاً حياً للتاريخ السعودي المعاصر.
الراحل الذي تنقل بين السعودية واليمن طلباً للرزق في بداياته، ترك إرثاً إنسانياً عميقاً وقيماً عريقة تجسد الوفاء الوطني والصمود عبر العصور، محتفظاً بمكانته كآخر الشهود على تأسيس المملكة وتطورها الحضاري.