في مشهد اقتصادي يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، حقق سوق العمل السعودي رقماً قياسياً تاريخياً بتوظيف 2.5 مليون مواطن في القطاع الخاص، بينما قفزت معدلات البطالة إلى 7.5% خلال الربع الثالث من العام الماضي.
هذه المفارقة الاقتصادية تكشف عن مرحلة توسع هيكلي جذري تشهده المملكة، حيث يتزامن نمو وتيرة التوظيف مع ازدياد أعداد المشاركين في القوى العاملة، وفقاً لتحليلات مختصين أوردتها صحيفة "الاقتصادية".
أرقام تحكي قصة التحول:
- إضافة 24 ألف وظيفة خلال ثلاثة أشهر فقط
- ارتفاع معدل البطالة بـ0.7 نقطة مئوية مقارنة بالربع السابق
- تسجيل أعلى مستوى توظيف في تاريخ القطاع الخاص السعودي
- بقاء المعدل قريباً من هدف رؤية 2030 البالغ 7%
يفسر المختصون هذه الظاهرة بأنها انعكاس طبيعي للاقتصادات التي تعيش مراحل انتقالية سريعة، حيث يؤدي توسع قاعدة الباحثين عن العمل إلى ضغوط مؤقتة على مؤشرات البطالة دون أن يعني ذلك تراجعاً في قدرة السوق على توليد فرص جديدة.
جذور المفارقة:
يعود السبب الرئيسي لهذا التناقض الظاهري إلى دخول أعداد متزايدة من الخريجين الجدد لسوق العمل، إذ أن حساب معدل البطالة يعتمد على نسبة الباحثين عن عمل إلى إجمالي القوى العاملة، وليس فقط على عدد الوظائف المستحدثة.
المستشار الدولي نضال رضوان يرجع هذا الوضع إلى الاعتماد التاريخي على القطاع الحكومي، مما جعل القطاع الخاص يعتمد طويلاً على العمالة الوافدة منخفضة التكلفة. ويؤكد رضوان أن الإصلاحات الأخيرة أحدثت تغييراً جذرياً من خلال توسيع مشاركة النساء وإطلاق قطاعات واعدة مثل السياحة والترفيه والأمن السيبراني.
تباين في المشاركة:
تظهر بيانات الربع الثالث تفاوتاً واضحاً، حيث وصل معدل بطالة الذكور السعوديين إلى 5%، بينما بلغ معدل النساء 12.1%. كما سجلت مشاركة الرجال في القوى العاملة 64%، مقابل 34% للسعوديات، في تطور ملحوظ مقارنة بمعدل 34.5% الذي كان سائداً قبل إطلاق رؤية 2030.
المهندس ناصر الجريد، رئيس اللجنة الوطنية للجان العمال، يشدد على أهمية التركيز على نوعية الوظائف، محذراً من أن عدم استقرار بعض المناصب الحالية قد يهدد استمرارية المواطنين فيها. ويدعو الجريد إلى استثمار الدعم الحكومي في تحسين البيئة الوظيفية وضمان الأمان الوظيفي.
تحديات المستقبل:
الدكتور خالد ميمني، خبير الموارد البشرية السابق بجامعة الملك عبدالعزيز، يحذر من ضرورة مواكبة التطورات المتسارعة، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي. ويدعو إلى إعادة مواءمة مخرجات الجامعات مع متطلبات السوق وتعزيز المهارات التقنية والمهنية.
ينصح ميمني السعوديين بالاستثمار المكثف في الدراسة وتطوير المهارات، مؤكداً أن المنافسة القادمة لن تكون بين الأفراد فحسب، بل ستشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أيضاً.