إعلان الخطوط الجوية العراقية تشغيل رحلاتها عبر مطار عرعر السعودي بعد إغلاق مطار بغداد جراء التصعيد الإيراني، يكشف عن تحول استراتيجي حقيقي للمطارات السعودية إلى شرايين حياة إقليمية في أحلك الأوقات.
منذ انطلاق العدوان الإيراني ضد دول الخليج، استقبلت المطارات السعودية - الدمام والقيصومة وعرعر - طائرات خليجية وعربية بعد تعطل مطارات وموانئ المنطقة جزئياً أو كلياً بسبب الصراع مع الولايات المتحدة. في مشهد رمزي بليغ، ارتفع العلم الكويتي بجانب السعودي في مطار القيصومة، مجسداً معاني الأخوة التي تتجاوز الحدود السياسية.
التحرك السعودي لم يقتصر على فتح المجال الجوي، بل شمل:
- تجهيز موانئ البحر الأحمر كبدائل آمنة للموانئ الخليجية المتضررة
- تأمين مسارات برية لضمان تدفق السلع رغم إغلاق الطرق البحرية
- استقبال العالقين ونقل المرضى وتسهيل مرور العمالة الوافدة
- رفع التنسيق الأمني والاستخباراتي لحماية الممرات الحيوية
هذا الدور الإنقاذي يعكس طبيعة المملكة كدولة محورية تمتلك القدرة على امتصاص الصدمات الإقليمية وتوفير البدائل حين تضيق الخيارات. فبدلاً من الضجيج الإعلامي والتصريحات الرنانة، اختارت الرياض العمل الصامت والقرارات العملية التي تطمئن الحلفاء.
الموقف السعودي يتجاوز كونه رد فعل مؤقت، فهو امتداد لاستراتيجية طويلة المدى تهدف لحماية المنطقة من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع طهران تستنزف الجميع بلا طائل. هذا الهدوء المحسوب ليس ضعفاً، بل ثقة دولة تعي حجمها وتدرك أن قوتها الحقيقية تكمن في تهدئة العواصف وليس إثارتها.
مثلما غنى محمد عبده قبل خمسين عاماً مخاطباً الساحل الغربي، تمدد اليوم الشراع السعودي ليشمل الساحل الشرقي في الخليج. لم تنتظر المملكة طلب المساعدة، بل مارست دور الأخ الأكبر تلقائياً، مدركة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي.