تكشف أرقام صادمة عن خلل هيكلي مدمر في الاقتصاد اليمني: استيراد بقيمة 15.483 مليار دولار مقابل صادرات لا تتجاوز 1.035 مليار دولار فقط، وفقاً للتقرير السنوي للبنك المركزي اليمني 2024. هذا التفاوت الهائل - الذي يصل إلى نسبة 93% عجز - يضع الاقتصاد في قبضة التقلبات العالمية، خاصة مع تصاعد الأزمة الإقليمية.
وسط هذا الواقع الاقتصادي الهش، تتحول التطورات الأمنية في الخليج من مجرد أحداث إقليمية إلى تهديد وجودي للاقتصاد اليمني. استهداف منشآت الطاقة الخليجية والاضطرابات في الممرات البحرية تعيد تسعير المخاطر عالمياً، حيث يمر عبر مضيق هرمز وحده 20.3 مليون برميل نفط يومياً - ما يمثل 30% من التجارة النفطية البحرية العالمية، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
المأزق الحقيقي: بينما تتأرجح أسعار الطاقة عالمياً، يعاني اليمن من اعتماد قاتل على الاستيراد يصل إلى 70% من حجم اقتصاده البالغ 22 مليار دولار. فاتورة المشتقات النفطية وحدها تلتهم 3.272 مiliار دولار سنوياً، بينما الواردات الغذائية تستنزف 5.734 مليار دولار إضافية.
ويصف فارس النجار، مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية، الوضع بأنه "هشاشة خارجية" تجعل أي ارتفاع في تكلفة الاستيراد بنسبة 10-12% يعني عبئاً إضافياً قد يصل إلى 1.8 مليار دولار سنوياً.
الصدمة الحقيقية تكمن في الأرقام:
- عجز الحساب الجاري: 5.074 مليار دولار
- التدفقات الخارجية: 9.755 مليار (معظمها تحويلات مغتربين ومنح)
- توقف صادرات النفط منذ أكتوبر 2022 (خسارة 1.2 مليار دولار سنوياً)
- توقف صادرات الغاز منذ أبريل 2015
رغم هذا المشهد القاتم، شهد سعر صرف الريال اليمني انتعاشاً مذهلاً من مستوى قياسي عند 2,905 ريال للدولار في يوليو 2025 إلى 1,573 ريال حالياً - تحسن بنسبة 46% خلال 8 أشهر فقط، بفضل الإصلاحات النقدية وآليات تنظيم الاستيراد.
وانعكس هذا التحسن على الإيرادات الحكومية غير النفطية التي قفزت من 750 مليار ريال إلى 1.1 تريليون ريال - نمو بنسبة 50%. لكن هذا النجاح يبقى "هشاً نسبياً" في ظل غياب الموارد السيادية.
التحدي المحوري يكمن في معادلة صعبة: كيف لاقتصاد يستورد أكثر مما ينتج أن يواجه صدمات الطاقة العالمية؟ خاصة مع توقف صادرات النفط التي كانت توفر مليار دولار سنوياً من النقد الأجنبي، وتعطل منشأة بلحاف للغاز الطبيعي منذ عقد من الزمن.
الخلاصة الحاسمة: في عالم متقلب الطاقة، لا يمكن لاقتصاد بحجم 22 مليار دولار أن يستمر في استيراد 15.4 مليار سنوياً دون موارد سيادية حقيقية. استعادة صادرات النفط والغاز لم تعد مجرد هدف اقتصادي، بل ضرورة وجودية لحماية أي استقرار مستقبلي.