يبدأ السر دائماً برقم.. 25 عاماً كاملة. هذه المدة التي قضتها الدكتورة غادة جبارة في صقل مواهب، لم تكن مجرد سنوات أكاديمية عابرة، بل كانت ورشة عمل كبرى أنتجت شيئاً ثميناً: العقول التي صنعت نجوم السينما المصرية الذين يعرفهم الجمهور اليوم. تخيل أن خلف كل نجم ساطع على الشاشة، هناك مدرّب خفي درّبه على أساسيات الحرفة والفن، وأمدّه بأدوات الإبداع. هذه هي القصة التي لم تُحكى كاملة.
التكريم الذي ستشهده الدورة الثانية والأربعين لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، من 26 إلى 30 سبتمبر 2026، ليس مجرد لفتة تقدير عابرة. إنه قرار استثنائي من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، برئاسة الناقد الأمير أباظة، بإطلاق اسم الدكتورة جبارة على مسابقة "أفلام شباب مصر". القرار نفسه يحمل رسالة: أن البناء الحقيقي للسينما يبدأ من القاعة الدراسية وورش الإنتاج داخل المعهد العالي للسينما، وليس من أضواء كواليس الحفلات فقط.
مسار الدكتورة جبارة داخل هذا الصرح التعليمي يروي قصة التدرج والتفاني. بدأت كطالبة متفوقة في قسم المونتاج، لتصبح معيدة، ثم أستاذة، ثم رئيسة للقسم، ثم عميدة للمعهد بأسره، وصولاً إلى منصب نائب رئيس أكاديمية الفنون ثم رئاستها. هذه الرحلة لم تكن صعوداً ذاتياً فحسب، بل كانت رحلة بناء منهجي لآلاف الطلاب الذين مرّوا تحت يدها.
تخرج على يديها أجيال متعاقبة من المخرجين والمصورين والمونتيرين والمؤلفين. أشرفت على العشرات من رسائل الدكتوراه والماجستير، ليس فقط في مصر، بل في مختلف المؤسسات الأكاديمية العربية. هذا العطاء التأسيسي هو الذي جعل نقابة المهن السينمائية تختارها عضواً في مجلس إدارتها عام 2015، ثم وكيلاً أول للنقابة، قبل أن تنتخب في 2023 عضواً بمجلس إدارة الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما.
التكريم، في جوهره، هو اعتراف بمبدأ بسيط وعميق: أن النجوم الذين يبهروننا على الشاشة، هم في الحقيقة الثمرة النهائية لشجرة ضاربة الجذور في تربة التعليم والتدريب المهني الرصين. عندما تُطلق اسم مدرّسة على مسابقة للشباب، فأنت تضع الجيل الجديد على بداية الطريق الصحيح، طريق من سبقوه ونجحوا. الندوة التي ستقام في مكتبة الإسكندرية، ليست احتفاءً بماضي فحسب، بل هي توجيه لبوصلة مستقبل السينما المصرية والعربية.