بينما يحتفل الشارع الكروي بزيادة مقاعد أفريقيا في كأس العالم إلى تسعة، هناك قصة أعمق تتشكل خلف الكواليس. هذه ليست مجرد فرصة للتأهل، بل هي لحظة فارقة قد تكون حجر الأساس لثورة حقيقية في منظومة كرة القدم المصرية. إنها دعوة لتحويل التفاؤل إلى خطة عمل محكمة، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي لبناء مستقبل كروي يليق بتاريخ الفراعنة.
قرار الفيفا بزيادة عدد منتخبات كأس العالم 2026 إلى 48 فريقاً لم يكن مجرد تغيير رقمي، بل هو تحول استراتيجي عالمي. بالنسبة لأفريقيا، ترجم هذا التحول إلى 9 مقاعد مباشرة، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 80% عن الحصة السابقة. هذا "الانقلاب" لا يغير فقط حسابات التأهل، بل يعيد تعريف معنى "الفرصة" للمنتخبات الكبرى مثل مصر، التي باتت مطالبة الآن بأكثر من مجرد التأهل؛ أصبحت مطالبة بالهيمنة والتخطيط للمستقبل.
التعامل مع المقاعد التسعة كـ"فرصة سهلة" هو فخ يجب تجنبه. الزيادة تعني أيضاً أن المنافسة ستصبح أشرس بين منتخبات الصف الثاني التي رأت في النظام الجديد أملاً حقيقياً. الاستراتيجية المصرية يجب أن تتجاوز الفوز في المباريات القادمة إلى بناء نظام مستدام. هذا يتطلب تحليلاً دقيقاً للمنافسين المحتملين في المجموعات، وتطوير أساليب لعب مرنة، والاستثمار في تحليل البيانات لاكتشاف نقاط القوة والضعف لدى الخصوم.
خلف الأرقام والاستراتيجيات، يقف جيل من اللاعبين المصريين أمام فرصة لا تتكرر. هؤلاء الشباب يحملون على عاتقهم آمال أمة بأكملها، ليس فقط للوصول إلى المونديال، بل لتقديم أداء مشرف يمحو خيبات الأمل السابقة. الضغط هائل، لكنه أيضاً حافز استثنائي. القصة الحقيقية تكمن في كيفية إعداد هذا الجيل نفسياً وبدنياً، وتحويل الضغط إلى طاقة إيجابية، ورواية قصص نجاحهم الملهمة لتكون وقوداً للأجيال القادمة.
إن التأهل لكأس العالم 2026 يجب أن يكون نتيجة طبيعية، وليس الهدف الأسمى. الدلالة الأعمق لهذه الفرصة هي استخدامها كنقطة انطلاق لمشروع وطني يهدف إلى تطوير البنية التحتية للعبة. هذا يشمل أكاديميات الناشئين، وتأهيل المدربين، وتطوير المسابقات المحلية، وخلق بيئة احترافية متكاملة. يمكن للدفعة المعنوية والاقتصادية الناتجة عن التأهل أن تمول "هرماً كروياً" جديداً، تكون قاعدته في المدارس والأندية الصغيرة، وقمته منتخب وطني ينافس عالمياً.
الكرة الآن في ملعبنا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فرصة المقاعد التسعة هي دعوة مفتوحة لمصر ليس فقط للعودة إلى الساحة العالمية، بل لقيادة الكرة الأفريقية نحو مستقبل أكثر إشراقاً. الأمر يتطلب رؤية واضحة، وإرادة صلبة، وتكاتف جميع عناصر المنظومة الكروية. فلنجعل من مونديال 2026 بداية لحقبة جديدة، حقبة لا نحتفل فيها بمجرد المشاركة، بل نطمح فيها إلى المنافسة على أعلى المستويات. المستقبل يبدأ الآن.