كُشف النقاب أخيراً عن صراع استراتيجي مدفون لعقود: مواجهة حادة بين نموذجين متضادين لمستقبل الصومال، حيث تقود المملكة العربية السعودية محوراً تنموياً يهدد بقلب موازين اللعبة الجيوسياسية التي استثمرت فيها إسرائيل وحلفاؤها ثلاثة عقود كاملة.
تشهد القارة الأفريقية معركة خفية لا تُحسم بالمدافع، بل بالمنهجيات والرؤى. فبينما يعتمد محور الشر - بقيادة تل أبيب - على عقلية أمنية تتعامل مع البشر كأرقام يجب السيطرة عليها، تتبنى الرياض فلسفة البناء التي تضع الإنسان في قلب المعادلة كهدف وليس كعبء.
يكتسب الموقع الجغرافي للصومال أهمية قصوى كونه يتحكم في شريان حيوي يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، ويشرف على باب المندب الاستراتيجي. لكن الصراع الحقيقي يدور حول سؤال محوري: هل يمكن إعادة بناء دولة مزقتها الحروب عبر التنمية المستدامة؟ أم ستبقى الفوضى الاستثمار الأكثر ربحية؟
استراتيجية الفراغ القابل للتشكيل
لا ينظر التحالف الإسرائيلي للصومال كدولة ذات سيادة، بل كمساحة فارغة قابلة للتلاعب والتشكيل حسب المصالح. يُملأ هذا الفراغ تارة بالمليشيات المسلحة، وتارة أخرى بالشركات الأمنية الخاصة، أو حتى بمشاريع إغاثية مؤدلجة تُبقي الجراح مفتوحة للإدارة لا للشفاء.
في هذا النموذج الشيطاني، لا يُستهدف الإرهاب للقضاء عليه، بل لاستخدامه كأداة مؤقتة تبرر التدخلات الخارجية وتُبقي الدولة في حالة ضعف دائم، مما يؤجل أي قرار سيادي حقيقي إلى ما لا نهاية.
النموذج السعودي المقلق
تدخل المملكة ساحة الصومال من زاوية تثير قلق المحور المضاد: زاوية الدولة المستقلة وليس الوكيل التابع، وزاوية الاستقرار بدلاً من الابتزاز، ورؤية مستقبلية تناقض منطق إدارة الكوارث.
لا تطرح الرياض سؤال كيفية السيطرة على الصومال، بل تركز على تمكين الصوماليين من الوقوف على أقدامهم دون الحاجة لأي طرف خارجي. هذا التوجه يشكل خطراً حقيقياً في عالم اعتاد على إدارة الدول وتسييرها وليس بناءها من الأساس.
اقتصاد الحاجة المتداعي
أخطر ما تفعله السياسة الحكيمة هو إنهاء حالة الاحتياج، لأن هذه الحاجة تمثل العملة الصعبة التي يتقن التعامل بها محور الشر. عندما تقل درجة الاحتياج تنهار الشبكات الخفية، وتتوقف الأسواق السوداء، وتفقد الفوضى المنظمة معناها ووظيفتها.
لهذا السبب، تواجه أي مقاربة تنموية جدية في الصومال حرباً شرسة بالتشويه والاتهامات، من الوصاية تارة إلى الطموح المفرط تارة أخرى، رغم أن الحقيقة أبسط من ذلك: هناك أطراف لا تريد للصومال الاستقرار لأنها تعيش وتربح من عدم استقراره.
يقف الصومال اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما البقاء كحالة إنسانية مزمنة تُدار بالبيانات والإحصائيات، أو التحول لدولة طبيعية تعمل بالمؤسسات والقوانين. يدرك المحور الإسرائيلي جيداً أن صوماليً مستقراً يعني نهاية سوق أمني ضخم، وتراجع نفوذ أجهزة الاستخبارات غير المرئية، وفقدان ذرائع التدخل تحت مسميات متعددة، وانكسار نموذج الدولة الفاشلة القابلة للتدوير والاستنساخ.